صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
3541
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
فالاحتراز من العقل به ( أي بالعقل أيضا ) أن يقال له : ألم يثبت عندك أنّه سبحانه مالك حكيم وأنّه لا يفعل شيئا عبثا ؟ فيقول : بلى . فيقال له : نحن نحترز من تدبيرك الثّاني بما ثبت عندك في الأوّل ، فلم يبق إلّا أنّه خفي عليك وجه الحكمة في فعله تعالى . . واعتبر بحال الخضر وموسى - عليهما السّلام - إذ لمّا فعل الخضر أشياء تخرج عن العادات أنكر موسى ونسي إعلام الخضر له بأنّه ينظر فيما لا يعلمه من العواقب ، فإذا خفيت العاقبة على موسى مع مخلوق ، فأولى أن يخفى علينا كثير من حكمة الحكيم ، وهذا أصل إن لم يثبت عند الإنسان أخرجه إلى الاعتراض والكفر ، وإن ثبت استراح عند نزول كلّ آفة » ) * « 1 » . 10 - * ( وقال ابن الجوزيّ - رحمه اللّه تعالى - : النّظر في العواقب ، وفيما يجوز أن يقع شأن العقلاء وأمّا النّظر في الحالة الرّاهنة فحسب ، فحالة الجهلة الحمقى ، مثل أن يرى نفسه معافى وينسى المرض ، أوغنيّا وينسى الفقر أو يرى لذّة عاجلة وينسى ما تجني عواقبها ، وليس للعقل شغل إلّا النّظر في العواقب ، وهو يشير بالصّواب ، من أين يقبل ؟ ) * « 2 » . 11 - * ( وقال ابن مفلح ( عن أبي الفرج ) : إنّما فضّل العقل على الحسّ بالنّظر في العواقب فإنّ الحسّ لا يرى إلّا الحاضر ، والعقل يلاحظ الآخرة « 3 » ويعمل على ما يتصوّر أن يقع ، فلا ينبغي للعاقل أن يغفل عن تلمّح العواقب ، فمن ذلك إنّ التّكاسل في طلب العلم وإيثار عاجل الرّاحة يوجب ( عند النّظر والتّبصّر ) حسرات دائمة لا تفي لذّة البطالة بمعشار تلك الحسرة ) * « 4 » . 12 - * ( قال ابن مفلح المقدسيّ في الفصل الّذي عقده للبصيرة ( التّبصّر ) والنّظر في العواقب : كان ملوك فارس يعتبرون أحوال الحواشي ( رجال حاشيتهم ) بإيفاد التّحف على أيدي مستحسنات الجواري ، حتّى إذا أطالوا الجلوس ، ودبّت بوادي الشّهوة ، قتلوهم ، وكانوا إذا أرادوا مطالعة عقائد النّسّاك دسّوا من يتابعهم على ذمّ الدّولة ، فإذا أظهروا ما في نفوسهم استأصلوهم . قال بعضهم : لذلك ينبغي الحذر من هذه الأحوال ، ومن مخض الرّأي كانت زبدته الصّواب » ) * « 5 » . 13 - * ( قال ابن القيّم - رحمه اللّه تعالى - أيضا : ( يقول الشّيطان لأعوانه ) امنعوا ثغر العين أن يكون نظره اعتبارا ، بل اجعلوه تفرّجا واستحسانا وتلهّيا ، فإن استرق ( البصر ) نظرة عبرة فأفسدوها عليه بنظرة الغفلة والاستحسان والشّهوة ، فإنّ ذلك أقرب إليه وأعلق بنفسه ، وأخفّ عليه ، وعليكم بثغر العين فإنّكم تنالون منه بغيتكم ، وإنّي ما أفسدت بني آدم بشيء مثل النّظر ، فإنّي أبذر به في القلب بذر الشّهوة ، ثمّ أسقيه بماء الأمنية ، ثمّ لا أزال أعده وأمنّيه ،
--> ( 1 ) صيد الخاطر ص 463 - 464 ( 2 ) المرجع السابق ص 529 ( 3 ) الآخرة هنا ما يقع بأخرة . ( 4 ) الآداب الشرعية 2 / 229 ، وقد ذكر أمثلة أخرى عديدة مشابهة . ( 5 ) المرجع السابق 2 / 229